أزمات متزامنة.. الجزائر بين ثورة مضادة وإرث ألغام نظام بوتفليقة

أعاد حادث الحرائق في مناطق التسرب النفطي، نهاية الأسبوع الماضي، بمحافظة الوادي الجزائرية الحدودية مع ليبيا، النقاش حول حقيقة وخفايا ما يحدث في البلاد، خصوصاً بعد التأكيد الرسمي بوجود “فعل تخريبي” من جهات مجهولة لم تكشفها التحقيقات بعد. 

وفتحت السلطات الجزائرية منذ الشهر الماضي تحقيقاً عاجلاً وفوريا للكشف عن خلفيات حوادث ومشاكل حصلت مؤخراً في البلاد، دفعت الرئيس عبدالمجيد تبون إلى إحداث تغييرات عميقة في عدة قطاعات.

8 حوادث متزامنة

وشهدت الجزائر في الشهرين الأخيرين حوادث كثيرة ومتزامنة بشكل غير مسبوق، أثارت موجة استياء شعبي وزادت من حجم الضغوط الاجتماعية التي فرضتها جائحة كورونا.

وأمر الرئيس الجزائري حكومته بفتح تحقيق أمني وقضائي للكشف عن أسباب عدة أزمات من بينها حرائق الغابات، ونقص السيولة المالية بالبنوك، وتوقف محطات تحلية مياه البحر، وانقطاع الماء والكهرباء، وتخريب صهاريج الأوكسجين المخصصة لمرضى فيروس كورونا بعدد من المستشفيات، وارتفاع معدل الجريمة، وتذبذب في الإنترنت.

حريق في أنبوبي نفط جنوبي الجزائر على الحدود مع ليبيا

الرواية الرسمية

وللمرة الأولى منذ سقوط نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بات مصطلح “الثورة المضادة” دارجاً في الخطابات الرسمية، خصوصاً بعد تأكيد تبون وجود “مؤامرة تحاك ضد البلاد من أطراف تريد كبح قطار التغيير”.

واتهم تبون صراحة للمرة الأولى “فلول النظام السابق والدولة العميقة بقيادة “ثورة مضادة لإدخال البلاد في الفوضى” وتعهد بمواصلة الحرب على “المال الفاسد وبقايا العصابة”.

كما تحدث عن أن بلاده “مستهدفة” من عدة أطراف، لم يذكر منها إلا “أصحاب المال الفاسد” في إشارة إلى أركان النظام السابق، و”من يتخابرون مع سفارات أجنبية”.

وتعهد بأن “تقف الدولة بالمرصاد، وبالقضاء على المال الفاسد وبقايا العصابة، وأن يعرف الشعب كل الحقائق”، وحذر من مغبة الفشل في وضع حد لفلول النظام السابق معتبرا أن ذلك “سيؤدي إلى هلاكنا جميعاً”.

بدورها، حذرت المؤسسة العسكرية الجزائرية عبر مجلتها الشهرية “الجيش” في آخر عدد لها، الجهات التي تقف وراء تلك الحوادث المتزامنة، وأكدت أن مصيرها “الفشل”.

الجزائريون في طوابير طويلة أمام مراكز البريد بسبب ندرة السيولة

تغييرات عميقة

رد فعل السلطات الجزائرية كان سريعاً، من خلال سلسلة تغييرات غير مسبوقة في عدة قطاعات، أبرزها إنهاء مهام رؤساء الشرطة في 34 محافظة، وإجراء حركة تغييرات في سلك القضاء شملت 36 قاضياً ونائباً عاماً، وإقالة 8 محافظين وتعيين 17 والياً جديدا.

بالإضافة إلى إقالات بالجملة لكبار المسؤولين في قطاعي الموارد المائية والاتصالات مرتبطة بأزمتي ندرة السيولة المالية وتذبذب شبكة الإنترنت، والتذبذب الحاصل في تزويد المدن والأحياء السكنية بالمياه.

فرضيتان

والتقت قراءات محللين سياسيين في تصريحات متفرقة لـ”العين الإخبارية” بوجود فرضتين وراء تلك الحوادث بشكل متسارع ومتزامن، وحصرها في ثورة مضادة من قبل فلول النظام السابق ممن تعرضت مصالحهم للخطر، أو أنها نتيجة موضوعية ومتوقعة لانهيار نظام بوتفليقة وما تبعها من بروز عيوب السياسات التي كانت متبعة وظهرت كألغام مع انطلاق الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي باشرتها السلطة الجديدة، واستباعد أن يكون الأمر مرتبطاً “بصراع أجنحة داخل النظام الجزائري”.

ثورة مضادة

الدكتور حسين قادري، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالجزائر، اعتبر أن ما حدث يدور في إطار فرضيتين الأولى تتعلق بوجود “ثورة مضادة”.

وأوضح في تصريح لـ”العين الإخبارية” بأنها “تنبع من وجود رد فعل من جهات تضررت مما يمكن تسميته بمحاولة التغيير، وجاءت من كل الذين كانوا يؤيدون أو يقفون مع المنظومة السابقة التي كانت تستبيح أموال الشعب وممتلكاته وكل مؤسسات الدولة في خدمة فئة سياسية ومالية معينة”.

وأضاف أن “رموز هذه المنظومة الذين يحاكمون اليوم وصدرت بشأنهم أحكام يعتقدون أنها قاسية وما كان للنظام الجزائري أن يصدرها، خصوصاً أنه ليس من عادته أن يلجأ إلى هذا الحزم في السابق مع سياسييه ورجال الأعمال، وفي كل مرة يطبقون سياسة عفى الله عما سلف”.

وأشار الأكاديمي الجزائري إلى أن “تلك الجهات كانت تعتقد بأن تلك المحاكمات ما هي إلا سيناريو للتخويف ولمغالطة ولكسب الرأي العام ويحدث العفو بعد سنة على الأكثر، لكن يبدو أن هناك جدية في محاسبة هؤلاء والاستمرار في محاسبة من تبقى منهم، وفي كل مرة تتسع دائرة المحاكمات، وبدأنا نرى عودة النظام لممارسة القبضة السياسية والقضائية ضد بعض رموز النظام السابق وأصبحوا في سجون خارج العاصمة”.

واستطرد قائلاً: “تلك الحوادث هي مؤشرات، تدفعها للقول إن هؤلاء يقفون ورائها لأنهم لازالوا يتحكمون في الإدارة، وهذا ما يفسر التغييرات الكبيرة التي أجراها تبون مؤخراً، ومع ذلك ننتظر ردة فعل قوية من تلك الجهات”.

كما أشار المحلل السياسي الدكتور لزهر ماروك في حديث لـ”العين الإخبارية” إلى أن “كل الحوادث جاءت في قطاعات حساسة وظروف دقيقة ووصلت إلى العمود الفقري للاقتصاد الجزائري وهو قطاع النفط، وهو ما يدفع للقول بوجود أيادي خفية متورطة في افتعال هذه الأزمات لإرباك الأجندة السياسية التي تنوي الجزائر تطبيقها”.

ولفت إلى أن “هذا الطرف يريد إحداث تغيير في السلطة وعدم السماح لها بالذهاب إلى غاية انتهاء ولاية الرئيس تبون، وهي نوع من محاولة الانقلاب على المحاكمات التي جرت ضد رموز نظام بوتفليقة، وحديث تبون عن وجود ثورة مضادة صحيح لامتلاكه المعلومات والتقارير الأمنية”.

إفرازات النظام السابق

غير أن الأكاديمي الدكتور حسين قادري اعتبر أن فرضية “الثورة المضادة” لا يجب “أن تسقطنا في نظرية المؤامرة، وهو ما يعني الوقوع في التبرير للنظام القائم بعض الأخطاء وأن الطابور الخامس هو الذي يقف وراء كل شيء”.

وواصل تحليله لما يحدث بالجزائر بإعطاء الفرضية الثانية، حينما قال “إنه يجب الأمور مأخذا عادياً، وبعض مما حدث نتيجة أخطاء في بعض السياسات، ونقص السيولة هي نتاج المنظومة السياسية السابقة وليس مرتبطاً بالعهد الجديد، ورثت منظومة مالية واقتصادية ضعيفة”.

وأضاف أن “المشاكل التي تعيشها الجزائر تحتاج إلى إصلاح هيكلي شامل لا يقتصر على تغييرات في هرم المؤسسات والإدارات، والنظام السابق خلق سياسة كارثية عودت الجميع على سياسة الريع، وحل ذلك في فرض إجراءات حازمة، لأن الجميع منضبط بزمن معين، رغم وجود أطراف متربصة بالدولة لا تريد أن تنتقل إلى مرحلة جدية لكن ليس بهذا الشكل الكبير”.

فيما لخص أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور لزهر ماروك الفرضية الثانية في “الارتباك الحاصل نتيجة جائحة كورونا وعدم قدرة المجتمع الجزائري على التكيف مع التطور التكنولوجي عند ظهور هذه الأزمات”.

شقيق الرئيس الجزائري السابق في محكمة سيدي أمحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.