بعد أكثر من نصف قرن على هزيمة 1967.. سبعة ألغاز لا تزال دون جواب

ظل حسين الشافعي -زميل الرئيس السابق جمال عبد الناصر ونائبه- يطالب بفتح كل ملفات هزيمة 67، وكشف كل تفاصيلها، محذرا من خطورة استمرار طمس أوراقها.

شأنه في ذلك شأن قيادات عسكرية بارزة، بينها رئيس أركان القوات المسلحة المصرية السابق الراحل سعد الدين الشاذلي الذي ظل بدوره يطالب بإنشاء لجنة للتحقيق فيما جرى بحرب أكتوبر 73، وقبلها تحدث عن وقائع وأحداث كثيرة جرت في حرب 67 ولا تزال غامضة ولم يتم تسليط الضوء عليها، فظلت مع مرور العقود مجهولة التفاصيل.

ومات الشافعي عام 2005، وبعده الشاذلي عام 2011، وقبلهما لقي جل قيادات الجيش المصري التي شاركت في الحربين ربها وبقيت أحداث كثيرة غامضة، لا تزال تشكل ألغازا عصية على التفسير، برغم صدور كتب ومذكرات حاولت ملامستها.

تدمير الطائرات في 67
من بين تلك الألغاز المرتبطة بهزيمة 67 ولا تزال غامضة، نجاح إسرائيل في تحطيم أسطول الطائرات المصرية وهي في مرابضها في سرعة قياسية وعلى امتداد الأرض المصرية كلها.

وقد أكد حسين الشافعي، نائب الرئيس جمال عبد الناصر وقتها وأحد من قادوا انقلاب 1952، في حديث ببرنامج شاهد على العصر في الجزيرة، أنه عندما وصل إلى مطار فايد بمحاذاة البحيرات المرة قبل دقائق من الهجوم، فوجئ بأن الطائرات كانت مصفوفة “كأنها جاهزة للذبح الآلي”.

علما أن الإدارة المصرية كانت قد قررت مباشرة بعد العدوان الثلاثي عام 1956 بناء تحصينات لتجنيب الطائرات المصرية التدمير، لكن لم يتحقق الهدف بشكل كامل، ودُمر أسطول مصر من الطائرات حتى غدت من دون دفاع جوي. فلماذا لم تُبْن التحصينات العسكرية، ومن سمح برص الطائرات جنبا إلى جنب دون أدنى حماية؟!

تدمير الطائرات ومواقع الدفاع الجوي جعل سماء مصر دون حماية، واستمر الوضع طيلة سنتين تقريبا ولم ينته عام 1969 إلا وإسرائيل تسرح وتمرح في سماء مصر من دون أدنى مشاكل، ما دفع عبد الناصر للتوجه إلى الاتحاد السوفيتي لجلب خبراء وأسلحة تحفظ مصر من الانتهاكات الجوية الإسرائيلية المستمرة.

اجتماع غريب
صبيحة يوم الحرب، 5 يونيو/حزيران 1967، دعي القادة العسكريون في جبهة سيناء لاجتماع طارئ يجمعهم مع المشير عبد الحكيم عامر في مطار فايد العسكري.

كل القيادات العسكرية بسيناء من دون استثناء وصلت إلى المطار وظل الجميع ينتظرون طائرة المشير عامر التي كانت في الجو عندما هاجمت الطائرات الإسرائيلية الأراضي المصرية، فاضطرت للعودة للقاهرة.

بينما فوجئت القيادات العسكرية المجتمعة بمطار فايد بالهجوم الإسرائيلي، ولو علمت إسرائيل بمكان اجتماعهم لكثفت القصف ولقتلت في ضربة واحدة كل قيادات سيناء.

فحرب 67 اندلعت ولم يكن أي قائد عسكري مصري في موقعه مع جنوده!

من دعا للاجتماع؟ ومن رتب له في هذا التوقيت بالضبط؟ وهل الأمر تصادف مع اندلاع الحرب أو خطط له لأن يكون كذلك؟ وإذا كانت أصابع الاتهام المباشرة بعيدة عن المشير عامر لأنه كان هو الآخر في الجو ذاهبا للاجتماع وكانت طائرته بدائرة الخطر، فمن ألقى بجيش مصر في هذه المحرقة؟

موعد الحرب
ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الرئيس جمال عبد الناصر علم بموعد الهجوم الإسرائيلي قبل أيام من وقوعه، وقد أخبره بذلك سفيره ذو العلاقات القوية في الاتحاد السوفيتي وقتها مراد غالب، وكذلك فعل صديقه جوزيف تيتو، رئيس جمهورية يوغوسلافيا سابقا، وربما مصادر مخابراتية حليفة أخرى.

وقد تحدث عبد الناصر عن ذلك في اجتماع للقيادات العسكرية قبيل الحرب، وتحدث بعض من حضروا الاجتماع عن أن الرئيس طلب من قائد الطيران الفريق أول صدقي محمود بالتجهز لتلقي الضربة الأولى، مؤكدا أن مصر لن تبادر بضرب إسرائيل!

لماذا لم تتحرك مصر وقتها لإجهاض الهجوم الإسرائيلي قبل أيام من وقوعه؟ لماذا كان يريد عبد الناصر تلقي الضربة الأولى هل فقط لإظهار إسرائيل معتدية، أو لإضعاف شوكة رفيقه عبد الحكيم عامر الذي أبعده عن الجيش وسيطر عليه منذ 1962، أو أن هناك أسبابا أخرى؟

هل فعلا كان يتوقع أن تكون الضربة محدودة فقط ولا تحطم الجيوش العربية مجتمعة وتسيطر على سيناء والجولان وقبلهما كل فلسطين؟

هل صحيح أن عبد الناصر تحدث عن خطة لمواجهة هجوم إسرائيلي لحظتها، وضرب بها عامر وفريقه شمس بدران عرض الحائط؟

علب السردين
شمس بدران، وزير الحربية واليد اليمنى للمشير عبد الحكيم عامر، الذي عيّنه الرئيس عبد الناصر في منصبه للتجسس على عامر، فانتهى به المطاف في خدمة المشير الذي كان صاحب شخصية لطيفة آسرة، بتعبير المقربين منه.

المسؤول المصري توجه إلى الاتحاد السوفيتي قبيل حرب 67 بأسبوع، وبالضبط في 28 مايو/أيار 1967 والتقى ابتداء وزير الدفاع المارشال غريتشكو -أحد أبطال الحرب العالمية الثانية وقائد حملة طرد النازيين إلى برلين- وبعده التقى رئيس الوزراء ألكسي كوسيجين، وناقش معهما التطورات الجارية في منطقة الشرق الأوسط.

وبحسب إفادات السفير المصري مراد غالب الذي حضر اللقاء، للجزيرة، فقد نصح كل من غريتشكو وكوسيجين المسؤول المصري بأن يؤكد للقاهرة أنه ليس من مصلحتها دخول الحرب مع إسرائيل، ونصحاه بتخفيف التصعيد الذي كان قام به جمال عبد الناصر الذي كان قد بدأ حشد الجيش المصري في سيناء، وطلب رحيل القوات الدولية منها، ولم يكن بعد قد أغلق مضيق خليج العقبة في وجه السفن الإسرائيلية.

المسؤولون السوفيت أكدوا لشمس بدران أن إسرائيل أعلنت أنها لا تريد مهاجمة سوريا مثلما كان رائجا وقتها، كما أعلنت أنها لا تريد الدخول في حرب مع مصر، وبالتالي تحققت للقاهرة مكاسب سياسية مهمة، ولا معنى للتصعيد الذي يقوده نظام عبد الناصر.

وكانت رسائل السوفيت لمصر عبر شمس بدران أن موسكو لن تحارب إلى جانب القاهرة، لكن المسؤول المصري رجع إلى بلده وأكد للجميع أن السوفيت كشفوا له أنهم إلى جانبهم قلبا وقالبا، وأنه في حال دخلت الولايات المتحدة الحرب فستجعل موسكو من سفن الأسطول السادس الأميركي في المتوسط “علب سردين”!

وتحدث بدران لهم عن “سلم الطيارة”، وكيف أن غريتشكو أخبره وهو يودعه أمام الطائرة، بأن موسكو ستقف إلى جانب مصر وأن العلاقات بينهما ستبقى دائما قوية.

كل ذلك يناقض ما دار في اللقاء الرسمي الذي أكد فيه السوفيت -وبوضوح- أنهم لن يشاركوا في الحرب، أما ما قاله غريتشكو أمام الطائرة، فلم يكن سوى مجاملة ليس إلا، بحسب ما أكده غريتشكو نفسه لمراد غالب.

لماذا التصعيد؟
الرئيس جمال عبد الناصر تأكد له أن السوفيت لن يشاركوا في حرب تدخلها مصر مع إسرائيل، وتأكد له أن ما كان يصرح به شمس بدران في كل مكان بخصوص “علب السردين” ليس صحيحا، حيث وصلته نتائج اللقاء الرسمي بين بدران وبين وزير الدفاع السوفيتي غريتشكو ورئيس الوزراء كوسيجين، من طرف السفير مراد غالب مباشرة بعد اللقاء.

وحتى عندما انتهت حرب 67، وجاء مراد غالب إلى مصر بناء على طلب عبد الناصر، سأله السفير خلال لقائه إياه حول أسباب اعتماد القاهرة على السوفيت عند اندلاع الحرب، في حين أن السوفيت أكدوا بوضوح أنهم لن يشاركوا فيها.

في تلك اللحظة، فوجئ السفير بجمال عبد الناصر يخبره أنه لم يكن يعتمد على موسكو في الحرب.

هنا يتساءل كثيرون عن الأسباب التي جعلت الرئيس المصري يستمر في التصعيد بدق طبول الحرب، والإقدام على إغلاق خليج العقبة بوجه إسرائيل، برغم تحذيرات الجميع من خطورة هذه الخطوة.

وما يزيد الأمر غموضا هو علم عبد الناصر بتوقيت الهجوم الإسرائيلي.

حشود إسرائيلية قبالة سوريا؟
خلال احتقان الأوضاع بين مصر وإسرائيل، وردت معلومة خطيرة تفيد بأن تل أبيب حشدت قواتها قبالة سوريا استعدادا لغزوها واحتلال دمشق.

الخبر كان مصدره الاتحاد السوفيتي، حليف مصر، وكان فوق مستوى الشبهات، لكن برغم ذلك، بعثت القاهرة برئيس الأركان وقتها محمد فوزي إلى سوريا للاطلاع على الأوضاع عن كثب.

تقرير فوزي كان واضحا، وهو أنه لا توجد أي حشود عسكرية قبالة سوريا، لكن الرواية السوفيتية كانت هي الأكثر تصديقا.

وحاول مراد غالب، الذي سُرّب إليه الخبر فنقله لمصر، في إحدى حلقات شاهد على العصر مع الجزيرة، توضيح ما جرى بناء على قرائن وليس أدلة.

وقال إن المؤشرات تؤكد أن قيادة إسرائيل تعمدت تسريب خبر الحشود إلى الاتحاد السوفيتي عبر جواسيسه المعروفين في إسرائيل، وهي تعلم أنه سيوصلها إلى القاهرة ويبدو أن ذلك ما حصل.

ومرة أخرى ينبري السؤال التالي: لماذا مضت القيادة السياسية والعسكرية المصرية في التصعيد فحشدت الجنود بسيناء، وطلبت سحب قوات الطوارئ الدولية ثم أغلقت خليج العقبة في وجه إسرائيل، وهي تعرف أنه لا حشود على سوريا وقد كانت الحجة الرئيسية للتصعيد؟

علما أن نسبة كبيرة من الجيش المصري كانت لا تزال في اليمن.

إشارة غريبة
في أواخر 1966، والاحتقان مستمر بين مصر وإسرائيل، تناقلت وسائل إعلام عربية مناهضة لعبد الناصر تهديدات إسرائيلية بالهجوم على سوريا، وشرعت تسخر من النظام المصري وقالت إنه ألقى بجيشه في حرب اليمن، ولا يفتأ يهدد كل مخالف له في مصر وخارجها، فيما هو عاجز عن ردع إسرائيل وإنقاذ عاصمة عربية من عدوان إسرائيلي مرتقب.

في هذا التوقيت، بعث شمس بدران -وكان في باكستان- بإشارة إلى القاهرة تدعو إلى ردع وسائل الإعلام العربية التي تشكك في قدرة مصر على ردع إسرائيل، وتؤكد أن القاهرة تختبئ خلف قوات الطوارئ الدولية في سيناء كي لا تتورط في حرب مع إسرائيل.

والردع يتمثل في تأكيد أن مصر قادرة على دخول الحرب والضرب بقوة دون أن تخشى شيئا.

تصريح كشف عنه بدران خلال محاكمته بعد الهزيمة، ورأى كثيرون أنه لم يكن له داع، وكان بإمكانه الانتظار حتى يصل إلى البلاد، فيخبر به قيادته. 

فلماذا استعجل بدران وبعث بالرسالة الخطيرة التي تكشف إستراتيجية مصر بشأن التعامل مع إسرائيل؟ّ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.