في ذكرى رحيله.. روح الاستبداد والثورة في أدب نجيب محفوظ

تمر اليوم (30 أغسطس) الذكرى الـ14 على رحيل الأديب الكبير نجيب محفوظ، الذي فارقنا في عام 2006 عن عمر يناهز الـ95 عاما، أمضى منها ما جاوز الـ70 عامًا في تشكيل وجدان قرائه على مدى الأجيال الممتدة.

بداية محفوظ الأدبية كانت بتقليد كبار الكتاب في بداية العشرينيات، فكانت قصته الأولى بعنوان “الأعوام” على غرار رواية “الأيام” للدكتور طه حسين، وبالمزيد من الاطلاع وتشكيل الوعي، بدأ محفوظ في إرسال أعماله لـ”المجلة الجديدة”، التي نالت استحسانا كبيرا من المفكر سلامة موسى.

وواصل محفوظ بعد ذلك طريقه الأدبي، وسلك مسلك الرواية التاريخية من خلال أعمال مثل: “كفاح طيبة” و”رادوبيس”، لينتقل بعد ذلك لتجسيد الواقعية في أعمال أدبية مميزة تبرز منها ثلاثيته الشهيرة، و”بداية ونهاية” وغيرها من الأعمال الروائية.

وبتتبع أعمال نجيب محفوظ، نجد أن حارته تضم كل جوانب تشكيل الإنسان من صراعاته بين الخير والشر، ونزعته تجاه الثورة أو الاستبداد، وكثير من التكوينات.

وعّبر محفوظ في أعماله الروائية عن الاستبداد بطرق مختلفة، فهو كما يصفه الكاتب الكبير يوسف القعيد -وهو من المقربين لنجيب محفوظ- في حديث لـ”الشروق”: “كان ضد الاستبداد على طول الخط”، وهو الأمر الذي اكتسبه من خلال ثورة 19، التي كان شاهداً عليها في مرحلة طفولته والتي كانت حجر الأساس في تكوينه الفكري والإنساني.

ويؤكد القعيد أن هذا الرفض جعله يعبر بشكل متقن عن هذا الصراع الكبير والمستمر بين الثورة والاستبداد، ولم يوظف في كل الأعمال بشكل سياسي كما جرت العادة، بل كان صاحب رؤية أوسع عبرت عن تلك المفاهيم، من خلال بيئات في غاية البساطة.

ولإيضاح ذلك، نستعرض في السطور التالية نماذجًا من شخصيات نجيب محفوظ المتمردة والمستبدة.

• السيد أحمد عبدالجواد.. الديكتاتور الحنون

من بين عشرات الأعمال الروائية لمحفوظ، تبرز لنا ثلاثيته الشهيرة (بين القصرين وقصر الشوق والسكرية)، التي تحتل أهمية كبيرة في المكتبة العربية، وعبّر نجيب محفوظ عن تلك الأهمية، في أحد حواراته، بأنه شعر بأنها خلاصة لكل أفكاره التي أراد أن يعرضها، لدرجة أنه توقف لسنوات عن الكتابة بعد نشرها وتحقيقا لهذا النجاح الكبير، وظن أنه من الصعب أن يقوم بعمل يضاهيها.

وتقوم” الثلاثية” على معايشة حياة أسرة مصرية في سنوات ما قبل ثورة 1919، والتي جعلها نموذجاً موازياً التاريخ المصري السياسي والاجتماعي في تلك المرحلة.

ورب تلك الأسرة هو السيد عبدالجواد، التاجر الكبير، الذي يفرض على أسرته تقليداً مشدداً، ويبرر لنفسه حياة بحرية تامة من السهر وشرب الخمر ومرافقة الراقصات.

وفي هذا الشأن تقول عنه الباحثة وفاء السعيد، في رسالة ماجستير بعنوان “الظاهرة الاستبدادية في ثلاثية نجيب محفوظ”، إنه معبّر عن ثقافة الاستبداد الأبوي السائدة في التراث الشعبي المصري، وهي المنبع الذي يغذي جذور الاستبداد في المجتمع، وتمثل ذلك نظره إلى جسد الأنثى باعتباره “تابوه” يتعين حجبه عن الأنظار ولا يحق لصاحبته الخروج للمجال العام، كما تجلى ذلك أيضا في ترتيب جلوس النساء إلى مائدة الطعام، فالأب يجلس أولا ثم الأبناء الذكور، وأخيرا يتم السماح بانضمام نساء الأسرة إلى المائدة.

وعلى نقيض ذلك، يرى الكاتب يوسف القعيد، أنه ورغم كل تلك الصور من القهر، نجده أحياناً قلقا على أبنائه وزوجته ومحب لهم، ويتجلى ذلك في مشاهده بالدعاء بعد أن يفرغ من صلاته.

• حسنين.. تمرد

ويعد “حسنين كامل” من بين الشخصيات المتمردة والأساسية في رواية “بداية ونهاية”، التي تحكي عن أسرة من قاع الطبقة المتوسطة، أدت وفاة عائلها لوصولها لطبقة الفقراء، ويختلف الأبناء في التعايش مع واقعهم الجديد، من يرضى بقضاء الله، ومنهم من يحاول أن يغّير هذا الواقع بصورة هادئة، وآخر لا يضع في تقديره أي حساب ويسعى بشتى الطرق في حركة قاسية متمردة -والذي يمثله حسنين- ويصل به إلى أن يلبي رغباته في الخروج من دائرة الفقر، متغاضياً عن أي مصلحة أخرى لأفراد عائلته، مما يصل بأخته نفيسة إلى أن تمارس أعمالاً غير أخلاقية، لتساعد في نفقات البيت، ولا يدرك ذلك إلا بعد أن أصبح ضابطاً، يخير بين صورته أمام نفسه وحياة أخته، يواصل أنانيته ويقدم مصلحته.

والصورة السينمائية قد جعلت مخرجاً للتعاطف مع الشخصية، بالمشهد الشهير وهو ينتحر مكفراً عن خطاياه، وهو الذي اختلف معه رؤية نجيب محفوظ الذي جعل له نهاية مفتوحة وهو يطلب العون من الله.

ويؤكد القعيد أن هذا لا يعني أن محفوظ أغفل جانبا إنسانيا للتعاطف معه، بل إن الأحداث بتسلسلها تقود لهذا التعاطف، فظروف النشأة التي مثلت استحالة أن يكمل هذا الشاب الطموح أحلامه هي من شكلت في نفسه هذا التمرد المستمر.

• أمينة.. تمرد خفي

وبالعودة لثلاثية نجيب محفوظ، تظهر أمامنا شخصية الزوجة أمينة، التي استمرت منذ أول الصفحات مطيعة متسامحة مع أخطاء زوجها، لا ترى فيه أي عيب، وتشجع بناتها على مثل هذا الحذو؛ ما يعطي للذهن فكرة أنها من استثناءات أدب نجيب محفوظ، وهو أي الاستبداد لا تواجهه مقاومة، فجميع الأبناء بداية من الأكبر ياسين وحتى الأصغر كمال، قد حاولوا الخروج عن تقاليد “أحمد عبدالجواد” ولو بعيداً عن أعينه، وبخاصة “كمال عبدالجواد” الوحيد الذي واجهه منذ أن كان طفلاً، وقال نجيب محفوظ في أحد حوراته إن كمال هو الأقرب لتكوينه الشخصي من بين شخصياته.

وعن معضلة شخصية “أمينة”، يجيب القعيد أنها ليست كما يبدو خاضعة للظروف، بل كان تمردها بصورة أخرى من خلال الحيلة، والتي حافظت من خلالها على تماسك الأسرة، وعلى مكانتها لدى أحمد عبدالجواد.

ويتابع القعيد، أن هذا التكوين الصعب استطاع نجيب محفوظ يعبر عنه ببراعة من خلال تعمقه في دراسة الفلسفة.

وتلخيصًا لصور التمرد وضرورته، جاء على لسان محفوظ في كتاب “من أصداء السيرة الذاتية”: “ومن صميم قلبي دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.